مجمع البحوث الاسلامية
252
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
كقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى طه : 132 ، أي للمتّقين ، ومنه قوله : إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً الملك : 30 ، أي غائرا ، وقالت الخنساء : * فإنّما هي إقبال وإدبار * أي مقبلة ومدبرة معا . وثالثها : أنّ معناه ولكن ذا البرّ ، فحذف ، كقولهم : هم درجات عند اللّه ، أي ذووا درجات ، عن الزّجّاج . ورابعها : التّقدير : ولكن البرّ يحصل بالإيمان وكذا وكذا ، عن المفضّل . واعلم أنّ الوجه الأوّل أقرب إلى مقصود الكلام ، فيكون معناه ولكن البرّ الّذي هو كلّ البرّ الّذي يؤدّي إلى الثّواب العظيم ، برّ من آمن باللّه ، وعن المبرّد : لو كنت ممّن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت ( ولكنّ البرّ ) بفتح الباء . وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن ) مخفّفة ( البرّ ) بالرّفع . والباقون ( لكنّ ) مشدّدة ( البرّ ) بالنّصب . المسألة السّابعة : اعلم أنّ اللّه تعالى اعتبر في تحقّق ماهيّة ( البرّ ) أمورا : الأوّل : الإيمان بأمور خمسة : أوّلها : الإيمان باللّه ، ولن يحصل العلم باللّه إلّا عند العلم بذاته المخصوصة ، والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه . ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلّا عند العلم بالدّلائل الدّالّة عليها ، فيدخل فيه العلم بحدوث العالم ، والعلم بالأصول الّتي عليها يتفرّع حدوث العالم ، ويدخل في العلم بما يجب له من الصّفات : العلم بوجوده وقدمه وبقائه ، وكونه عالما بكلّ المعلومات ، قادرا على كلّ الممكنات ، حيّا مريدا سميعا بصيرا متكلّما ، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم ، بكونه منزّها عن الحاليّة والمحلّيّة والتّحيّز والعرضيّة ، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرّسل . وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، وهذا الإيمان مفرّع على الأوّل ، لأنّا ما لم نعلم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، ولم نعلم قدرته على جميع الممكنات ، لا يمكننا أن نعلم صحّة الحشر والنّشر . وثالثها : الإيمان بالملائكة . ورابعها : الإيمان بالكتب . وخامسها : الإيمان بالرّسل . وهاهنا سؤالات . [ إلى أن قال : ] وذكر الواحديّ في آخر هذه الآية مسألة وهي أنّه قال : هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع ، فمن شرائط البرّ وتمام شرط البارّ أن تجتمع فيه هذه الأوصاف ، ومن قام بواحد منها لم يستحقّ الوصف بالبرّ ، فلا ينبغي أن يظنّ الإنسان أنّ الموفي بعهده من جملة من قام بالبرّ ، وكذا الصّابر في البأساء ، بل لا يكون قائما بالبرّ إلّا عند استجماع هذه الخصال ، ولذلك قال بعضهم : هذه الصّفة خاصّة للأنبياء عليهم السّلام لأنّ غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلّها ، وقال آخرون : هذه عامّة في جميع المؤمنين . ( 5 : 40 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 2 : 78 ) أبو حيّان : قال قتادة والرّبيع ومقاتل وعوف الأعرابيّ : نزلت في اليهود والنّصارى ، كانت اليهود تصلّي للمغرب والنّصارى للمشرق ، ويزعم كلّ فريق أنّ ( البرّ ) ذلك .